ابن عجيبة
323
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
لا واللّه لا أحلها حتى يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي يحلني ، فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحلّه ، فقال : إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي الّتى أصبت فيها الذّنب ، وأن أنخلع من مالي ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يجزيك الثّلث أن تتصدّق به » « 1 » . ثم قال تعالى : وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ فيما بينكم ، أو فيما أسر الرسول إليكم من السر فتفشوه ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن الخيانة ليست من شأن الكرام ، بل هي من شأن اللئام ، كما قال الشاعر : لا يكتم السرّ إلا كلّ ذي ثقة * فالسرّ عند خيار النّاس مكتوم أو : وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح . وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ؛ لأنه سبب الوقوع في الإثم والعقاب ، أو محنة من اللّه تعالى ليبلوكم فيهم ، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة ، كما فعل أبو لبابة . وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ لمن آثر رضا اللّه ومحبته عليهم ، وراعي حدود اللّه فيهم ، فعلّقوا هممكم بما يؤديكم إلى أجره العظيم ، ورضاه العميم ، حتى تفوزوا بالخير الجسيم . الإشارة : خيانة اللّه ورسوله تكون بإظهار الموافقة وإبطان المخالفة ، بحيث يكون ظاهره حسن وباطنه قبيح ، وهذا من أقبح الخيانة ، وينخرط فيه إبطان الاعتراض على المشايخ وإظهار الوفاق ، وهو من أقبح العقوق لهم ، وأما خيانة الأمانة فهي إفشاء أسرار الربوبية لغير أهلها ، فمن فعل ذلك فسيف الشريعة فوق رأسه ، إذا كان سالكا غير مجذوب ، لأن من أفشى سر الملك استحق القتل ، وكان خائنا ، ومن كان خائنا لا يؤمن على السر ، فهو حقيق أن ينزع منه ، إن لم يقتل أو يتب ، ولله در القائل : سأكتم علمي عن ذوى الجهل طاقتى « 2 » * ولا أنثر الدّر النفيس على البهم فإن قدّر اللّه الكريم بلطفه * ولا قيت أهلا للعلوم وللحكم بذلت علومى واستفدت علومهم * وإلّا فمخزون لدىّ ومكتتم
--> ( 1 ) أخرجه عن قتادة - مرسلا - ابن جرير في التفسير ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبى الشيخ وابن جرير . ( 2 ) إذا لم يعلم الجاهل وكتمنا عنه العلم ، فما فائدة العلم إذن . . ؟ !